صَحْـوَة

Image-91

تغيرتُ كثيرًا خلال هذه السنة، تغيرت حتى إني لم أعد أعرفني! لقد خُيّل إلي أن يد أحدهم طالت جوفي وبدلت وجه الثوابت لدي، لقد عشت أيامي السالفة كغيمة بيضاء صغيرة، إن لاحت في الأفق أو تلاشت لا تلفت اهتمام أحد، أنثى لطيفة ومنعزلة ومنغلقة.. وأيضًا متزمتة لا يعجبني معظم أنماط الناس! كنت قد فصلت حياتي داخل فرجة زاوية لمثلث صغير، محتكرة ومنغلقة، وصارمة حتى مع نفسي!

ولذا كان أفقي ضيقًا جدًا، لا ينفتح لخيارات أكثر، كنت محدودية ونمطية، وروتينية لدرجة قاتلة! نعم أصفها بأنها كانت قاتلة، ورغم أنها كانت حياتي التي عشتها لا أتصور كيف كنت أعيش؟ كيف لم تقتلني صرامتي؟! كنت أفر إلى الفن وحسب.. أقرأ القصص، وأرسم رغم أن لوحاتي بدائية وأشبه ما تكون برسوم هندسية ملونة، لكنها كانت تعني لي كل الحياة.

كنت أكتب أيضًا، بل كنت أكتب كل شيء لأنه باختصار كنت لا أجد من أحاوره بذلك العمق كذلك الكائن الساكن صدر الورق، لقد كان محاورًا جيدًا وجهني في أغلب قراراتي، وساندني كثيرًا وآنس وحدتي بصوته المألوف الحنون وكان دائمًا ما يوادعني وأنا مبتسمة.

لقد كانت هذه السنة السالفة أشبه بفترة صحوة في عمري، فبعد أن وضعت على أسناني “التقويم” لأعدل اعوجاج سني الأمامي، الذي يظهر كبيرًا ومائلًا بطريقة ملحوظة لقد كان يظهر للجميع حاضنًا أخاه الذي يبدو أصغر حجم منه، لقد كنت أملك ابتسامة باردة جدًا، وكنت أعرف هذا جيدًا ولم أكن أحب هذه العادة السيئة التي كنت أمارسها حتى في وجه من أحب! لطالما وقفت أمام المرآة أتمرّن على تلك الابتسامات العميقة التي يتمتع بها أغلب الذين أحبهم، لقد كانوا يبتسمون بعمق حتى لإنك تستطيع أن تطل على أفئدتهم الطيبة وتتجول في الداخل فتشعر لوهلة أنهم لا يحبون سواك!

لقد كنت أغبطهم على هذا الصدق وعلى تلك الابتسامة الحياة!

أفرج شفتاي أكثر أمام المرآة وأنا أحدث نفسي: “لم تكن مرة منظر الأسنان أهم من تلك المعاني التي تصدرها الابتسامة للقلوب.. علي أن أبتسم كل مرة بشكل مريح على الأقل!” لكن منظر الإفراج عن أسناني كان مفزعًا كمنظر الإفراج عن سجناء معمرين! أصمت بحنق “كيف يبتسم الناس بكل هذه المصداقية؟” لم أفهم ولم أجرؤ يومًا على السؤال!

وأنا جالسة على مقعد دكتورة الأسنان، وفور ما وضعتْ جسر التقويم على أسناني أعطتني مرآة بإطار سماوي زاهي وأمرتني أن أبتسم وأرى شكلي في المرآة، أخرجت تلك الابتسامة الصفراء القاحلة فأعادت علي وهي تبتسم تلك الإبتسامة التي أحب: “ابتسمي بشكل جميل” فوسعت فرجة فمي أكثر وحسب، لقد كان شكلي مضحكًا جدًا لقد كانت تريد أن تمرن هذا الفم الثقيل على أن يضحك في وجوه الناس، “ليس شرطًا أن تشعري بقبولهم، الآن وبعد أن امتد هذا الجسر التقويمي على أسنانك لا يكفي أن تقوسي فمك، نريد ابتسامة عميقة مليئة بالحياة!”

لقد سمعتها تقولها لي رغم أنها لم تتكلم، ابتسمتُ مرة أخرى فنجحت في فعلها! لقد سحرني منظري المتوهج الباسم لقد استطاعت أن تزرع في فمي سحر الإبتسامة ليس بواسطة جسر التقويم بل بواسطة المعنى الذي أجلستني لأجله، وناولتني المرآة ورغم المرضى الذين يملؤون الغرفة المجاورة منتظرين دورهم كانت تمرن فمي على صدق الإبتسامة، وعلى خفة الروح.

خرجت وأنا أشعر أن جانبًا أسودًا من روحي قد استطاعت تلك الدكتورة من “فلبين المبتسمة” أن تضيء ذلك الجانب العميق.

لقد توسعت بشكل ما رقعة تفكيري، أصبحت أتقبل معظم أنماط الناس، لا أرفض أحدًا، ولا أغلق الباب دون أحد!

لقد فهمت بشكلٍ ما أن لدى الناس ما ليس لديك، ومهما اختلفت الرؤى قد تكون جميعها عقلانية ومنطقية، ليس علينا أن نفتش في عيون الناس عن ماضيهم لنفهم، علينا أن نحبهم لنقبلهم على علاتهم ثم سنفهم.

كنت أقيس مفاهيمي حسب ما أرى، كان كل ما يظهر على الهامش غير صحيح وغير منطقي، لم أكن شخصًا مجادلًا كنت أكتفي بالاحتفاظ بآرائي لنفسي وكنت أعدّ هذا مصدر قوة، لأنه مصدر ثباتي على مبادئي، لقد كانت فكرتي “لا يهم أن الناس لن يؤمنوا بما أعتقده المهم فعلًا هو ثباتي على معتقداتي -وإن كانت صغيرة-” كان حبي لنفسي يدفعني لرفض أي تغيير قد يحدث، لم أكن أسمح لنفسي بأن تبدل فكرة ما، أو أن أبدل حلمًا ما.

لقد كنت مهوسة بالمبادئ لدرجة كبيرة، وكنت ألزم نفسي بذات الطرق التي اخترتها مسبقًا، وإذا ما انطفى شغفي بحلم ما وصرت أحلم بشيء آخر مختلف عنه أشعر بأني أخون نفسي القديمة! لقد كنت أكثر شخص ثابت، ثابت على غير هدى!

أذكر عندما كنت في الخامسة عشرة -سن التغيّر والتقلبات- لم أعد أحب صديقتي، لقد كرهتها كثيرًا جدًا حتى إني لم أعد أطيق الجلوس معها، هي لم تفعل شيئًا لم تكن المسألة بأكثر من قناعات تبدلت، أذكر كم ألزمت نفسي البقاء معها، وما أشقى الجلوس مع شخص لم تعد تطيقه!

مع كثرة الانتقالات التي حدثت في حياتي، بدءًا بأبسط الانتقالات من مدرسة لأخرى، ثم إلى عالم الجامعة الكبير، كنت أخيرًا قد تقبلت فكرة التغيير، وغيرت في حياتي أشياء كثيرة لم تعد تمثلني، لقد وجدتني أغير في البنية التحتية لكثير من الأفكار التي كانت تشكّل لي معتقدًا ثابتًا، أشعر بأني “أكبر” بالمعنى الفعلي للكلمة،بشيء أكثر مرونة وأكثر تجديد تحولت من سندريلا القديمة الصامتة -رغم شعور الرفض الذي يشتعل داخلي- إلى سندريلا جديدة، لقد نجحت في تحويل أفكاري إلى أفعال، وقد خلق “العمل” مني شخصية عملية بدلًا من الشخصية التأملية التي كنتُها، أحببتني بالنفس المنجزة أكثر، وأدركت أن هذه النفس التي يحتاجها العالم ليتغير نحو الأفضل.

لقد رأيت كم هي مسألة سهلة هي التغيير، وكم هو قرار عادل أن تسمح لنفسك بالتغيير، وتفتح لها الأفق كاملًا لتجرب وترى أي الوجوه تناسبها، وأي الطرق قد تجد نفسها فيه.

4 Comments اضافة لك

  1. onlydalya كتب:

    كنت كذا في الماضي والآن أصبحت اكثر انفتاحا على العالم ..

    Liked by 1 person

    1. asyehalmotawa كتب:

      الله جميل شعور التغيير✨ والأجمل هناك من يشاركنا ذات الشعوور.. حياك داليا سعيدة فيك وأهنيك على التغيير💛

      Liked by 1 person

  2. بشرى كتب:

    عرفت الآن سر التشابه بيننا 🙂

    Liked by 1 person

    1. asyehalmotawa كتب:

      وااو جيتي على تدوينة التغيير الي تعبر فعليا عني💖 سعيدة بتوأمي الآخر💕

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s