طمـوح

مساء الخير:

أكتب لكِ بلا مناسبة حقيقية فعلًا، إلا أن أيامي التي مضت أكسبتني فكرةً أريد بصدق مشاركتك إياها.. أكتب الآن بينما تشير الساعة إلى الخامسة عصرًا، أقرأ دهشتكِ في عينيك فليس من عادتي الكتابة هذه الساعة، لكنه تغيّر عَرَضي -كما تسميه ليف أولمن- جعلني أعكف على لوحة المفاتيح لأكتب لكِ هذه الرسالة؛ لذا إن وجدتِ فيها أي خللٍ ما.. إن كنت قد تحدثت طويلًا عن شيء هامشي لا يستحق، أو كان حديثي غامضًا أو أنني لا ألتزم طريقًا واحدًا في الكتابة فأرجو أن تتجاوزي كل هذا، وأن تتفهمي كوني الآن أكتب لكِ من بين مهام الماستر التي تنتظرني على دفتر التذكيرات بجواري، أكتب لأني أحبك فوق الالتزامات وفوق ما تطلبه مني الحياة.. أنصتي يا حلوتي لما أقول وافهمي ما أعني.

حين تحفني الحياة البرّاقة أتأمل ما حولي فأدرك أنهم “فنانون” على مستوى التحدث الصنّاع، المهندسون، الشعراء، حتى الباحثون يقولون أكثر مما يطبقون، وأدرك بخيبة أمل أن الحياة هُراء أكثر من كونها جدية! وأنها مختلفة تمامًا عن تلك الحياة التي تصورتها للوهلة الأولى! لذا فهمت بأن علي التدرب على مسايرة الناس والطبائع والأشياء، تريدين العيش داخل الإطار الذي صنعه الآخرون فافعلي ما أملي عليك الآن: لا تفكري بإخلاص -كما تفعلين الآن-! ليس عليك التوجه إلى طريق واحد لتتقنينه بل توجهي لأكثر وأكثر من طريق في نفس الوقت، ليس بالضرورة أن تكوني قد أتقنتِ شيئًا في النهاية! المهم هو أن تفهمي كل ما يطفو على السطح وحسب! هكذا تواتر الجميع، لم يكن هذا القرار صائبًا أبدًا؛ ولكن إن كنتِ تملكين قوة الشجاعة لتسيري بطريقك الخاص فافعلي! دعي آراء الناس وأفكارهم ونقاشاتهم التي سيخلقونها خلفك وامضِ نحو طريقك الأوحد، إن كنتِ قد اخترته عن رغبة داخلية فيك أهنئكِ أنت الشخص الأكثر نجاحًا وسيصفق لكِ الجميع بحرارة.

“إن أنت آمنت بشيء لم تعد بمقدار ذاتك، بل بمقدار القوة التي أنت مؤمن بها”

لقد كبرتِ فعلًا يا صديقتي الرائعة! ليس بالضرورة أن يكون العمر محسوبًا بالأيام لنجزم بأننا كبرنا؛ بل بالتجارب الكبرى التي تترككِ من بعدها أنضج، وأكثر إدراك.

how-to-be-more-ambitious-and-achieve-success

يا عزيزتي.. أعلم أنكِ الآن مقبلة على دراسة الماجستير وما يلحق هذه الأسابيع الأولى من تبعات على المزاج ولهذا أكتب الآن لكِ، أكتب من عمق التجربة -يا حلوتي- أكتب لأمسح -وأنا هنا بعيدة كل البعد عنك- على رأسك، وأربت على كتفك أريد أن أهمس لقلبك القوي: “أنا فخورة بك.. أكثر من فخر الأم.. أو الأب أو أي شيء آخر” أريد أن أقول أنكِ الآن بمقدار حلمك، فاجتهدي ليعانق الناس بأعينهم حلمك، ويؤمن الجميع بقوتك، أنتِ هنا لتثبتي للعالم وجودك فآمني بعمق لتكملي المسير.

أمامك خيارين أن تمضي قُدمًا نحو النمو والتعلم أو تتراجع للخلف حيث الأمان وعدم المجازفة.

*آبراهام ماسلو- عالم نفس أمريكي

وأعتقد أن حياة الأمان وعدم المجازفة حياة مملة حد الانتحار! إن قيمة الحياة في مجابهتها، في قطع أودية المغامرة للوصول للقمة حيث الحياة هناك تستحق ما نعانيه في الطريق لأجل الظفر بها.

تقول أمي حينما تجدني قد أُنهِكتُ حدي: “كل شي بيصير سوالف” فأشعر بأن الفكرة بحد ذاتها تمسح على جبيني، لقد صَدَقت والله إن كل العوائق ستغدو بعد أيام ليست سوى ذكريات، وقصص تروينها لمن لم يعرفك، “وغدًا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى.. وغدًا للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا” ستمضي الليالي الثقال وتترك قوة الإيمان فيك، وتزرع حب الإصرار في روحك، ستتركك بعد أن تجدي في نفسكِ البطل الذي طالما أحببتِ الاقتداء فيه.

سترددين: “كنت قبل أيام الماستر أنام كثيرا ولم يكن هذا يعجبني”، “كنت مهتمة بمتابعة برامج التواصل الاجتماعي لساعات طوال ولم أكن أحب هذه الصفة فيني”، “كانت تمر علي أوقات أفكر فيها بطريقة مزرية لمَ أنا هنا؟ كيف وصلت لهذا العمر دون أن أصنع شيئًا يذكر!” لحظات تُشعرك بأنك أحقر من أي مخلوق وأن حياتك تتسرب هدرًا إلا أن مرحلة الماجستير ستنقذكِ من كل هذا، ستعينك بطريقةٍ ما على التخلص من العادات السيئة، وعلى التخلص من نقاط الضعف في شخصيتك، ستكتشفين بأنها مرحلة صحوة في عمرك كله مثل دخول قطعة فحم سوداء لمنجم ألماس والخروج من الطرف الآخر منه ألماسة صافية.

إنها مرحلة تستحق الصبر، لذتها تكمن في أنها تُريكِ من نفسك ما تحبين. لذة الإنجاز لا تضاهيها أي لذة! لذة الفخر بالنجاحات التي تحققينها في كل مادة ومقرر لا مثيل لها! حتمًا هذه المرحلة بالذات من عمرك ستجعلك تُعيدين موازنة الأمور من جديد، فلا الوقت السابق كالوقت الآن، ولا حتى طريقة الاستذكار كتلك التي تَذكُرين، تصبح الأشياء التي ترين بأنها أساسيةٌ عبثًا عادت لمكانها الصحيح لكونها أشياء كمالية فالنوم راحة ولم يعد لإضاعة أجزاء من اليوم لم يكن لها أي فائدة، وحتى الوجبات بعد أن كنتِ تهدرينها في الأكل ثم تنشغلين بأمور الحمية عادت لوضعها الطبيعي لسد حاجة الطعام وحسب.. مكانتك الاجتماعية ستتغير حتمًا سيقدّر الجميع وجودك، ويُسمع لرأيك حتى أصغر إخوتك الذي لطالما انزعجتِ من مشاكسته، ستعود المياه لمجاريها، فالصباح وقت الاستيقاظ والعمل، والقهوة تشرب في ميعادها في السابعة صباحًا، العمل يمتد إلى منتصف النهار، القيلولة في ميعادها ثم إكمال المهام والنوم في الليل بعد قضاء يوم منجز بأكمله منذ الصباح وحتى الليل.

“لا تنتظر من غير نفسك داعمًا

فالنفس أوفى من أعانَ وحرّضا

بالله خطوك لا لوحدك سائرٌ

فامضِ بعون الله والتمس الرضا”

1_JGRkEO2L7lKjowzhr4JHrg

ياحلوتي.. لستُ أعلم منكِ ولا أزعم بأن المعرفة التي أملك عن هذه المرحلة هي أعظم بأي حال مما لدى الآخرين! حتمًا ستكوّنين تجربةً فريدة مختلفة عن التجربة التي عشتها أنا، فلكل تخصصٍ طريقته، كما أن لكل فرد تجربته المختلفة إلا أن بعض التفاصيل الصغيرة، تلك التفاصيل التي أدهشتني، وحسنت مزاجي، وأزعم أنها أعانتني على الإنجاز أكثر، وعلى الحفاظ على روحي مبتسمة ومتفائلة أكثر وأكثر هو أني كنت أكتب عبارات كهذه التي اقتبستها لكِ وأبروزها في براويز أنيقة وأعلّقها على جدران مكتبي، أو بجانب شتلة صغيرة، لا تتصورين كمية التحفيز التي تبثها في روحي، فكلما خبا وهج روحي قرأتها، تأملتها، أو حتى قمتُ بتغييرها لأخرى تلامس روحي أكثر.

“مهما عثرتَ فلا تقف

ما دام في القلب الشغف

حتى وإن ذقت المرارة في مسيرك للهدف

إن الحياة تجاربٌ لا تستطل زمن الأسف

واليوم يومُك فاغتنم للنفس خيرًا واغترف

واذكر جهودك عندما جاوزت أول منعطف

أرأيت أنك تستطيع؟

أم أنَّ من قطع المصاعب كان شخصًا مختلف!

أنت الذي إن شئتَ حوّلت الخريف إلى ربيع

فاعبر وواصل بالمسير إلى طموحك لا تخف!

حتى وإن شدّ التعب

إن العلا ما ناله أهل الرفاهة والترف”

وحينما تشتعل روحكِ حماسًا بعد حصة تحفيز معنوية، ثمة شيء آخر مهم جدًا، وهو “جدولة المهام”، إن ما يجعلكِ مرتاحة الذهن ومستقرة هو ترتيب المهام في قائمة ثم تفريغها في الأيام، فلكل يوم مهمة واحدة مثلًا أو مهمتين وحسب ثم دعي باقي اليوم للترفيه عن نفسك.. لا تنسي اصطحاب دفتر المهام هذا إلى الجامعة حتى تقومي بتفريغ أي مهمة تُسدى لكِ مباشرة فيه؛ لئلا يتسرب شيء خاصة تلك المهام طويلة الأجل تلك التي تكون بمثابة مشروع المادة وتسليمها في الأسابيع الأخيرة من الفصل الدراسي ونحوها من المهام التي قد تُنسى مع الوقت.

getty_506910700_258966

أخيرًا.. لم ييسر الله لكِ هذا المقعد السامي عبثًا، فاشكري الله على إتاحة الفرصة خاصة وأن بلادنا السعودية مقبلة على حقبة تكون دراسة الماجستير فيها مدفوعة، كل الفرص قد تعوّض إلا فرص القبول في الماجستير فنادرًا ما تتاح مرة أخرى.. واصلي المسير كلها أيام معدودة وتفخرين دهرًا بمؤهلك العالي.

شكرًا لكل من وصل لهذا السطر، لكل من تقبّل رسالتي بطيب قلب.. أنتم حسنات الحياة✨🌾

ملاحظة: قد لا يهم ما سأقوله الآن لكنه يهمني أنا شخصيًا! ما ورد في الرسالة من اقتباسات بلا حقوق في الحقيقة لا أعرف مصدرها، ويؤلمني أنها وصلت إلى ما وصلت إليه من شهرة وهي ميتّمة بدون ذكر اسم صاحبها الذي قام بإنشائها.

9/16

التوقيع/

آس

8 Comments اضافة لك

  1. La Farfalla كتب:

    ماشاء الله كلامك معبر ومحفز .. حلو انك تحفزين نفسك قبل هالمرحلة لان جد الماجستير يستهلك طاقاتك ويغير كل روتين حياتك .. لكن كل هذا مثل ماقالت امك بيصير سوالف وذكريات جميلة ❤️
    موفقه يارب بكل خطواتك القادمة

    Liked by 1 person

    1. asyehalmotawa كتب:

      الله ياحلو كلامك لافا🙏🏻💖 صادقة بكل كلمة قلتيها💕 كل السعادة والتوفيق بدربك✨⭐️

      Liked by 1 person

  2. onlydalya كتب:

    كلامك يخط بماء الذهب .. جميل جدا ..كلامك حفزني كثير واعطاني دفعة قوية لاستمر في اللي بديته برغم حديثك عن الماستر وانا موضوعي مختلف بس الله يقوينا على تحقيق احلامن وطموحاتنا ونوصل للي نبيه ♥️🙏🏽

    Liked by 1 person

    1. asyehalmotawa كتب:

      هذا أهم شي كون رسالتي بإمكانها تدخل قلوب الجميع وتحفز الكثير لتحقيق أحلامهم حتى وإن كانت بعيدة عن موضوع الماجستير🙏🏻
      سعيدة أكثر فيك داليا، وفقكِ الله لتحقيق أحلامك وتحويلها إلى واقع يدهش الجميع✨🌈

      Liked by 1 person

  3. Walaa كتب:

    الله يوفقك ويسهل لك دربك رحلة وتجربة حتماً فريدة وستجنين منها الكثير من الثمار بإذن المولى ثم تأتين لتحكي لنا عنها ونفرح بك ياخريجة الماجستر 🙏🏻❤️
    واسمحي لي اشاركك هذا البيت :-
    ‏«يفوز مَن كان ذا عزمٍ بمطلبه
    ‏أما نصيبُ الكُسالى فهو حرمانُ»

    إعجاب

    1. asyehalmotawa كتب:

      اللهم آمين يارب العالمين✨ بإذن الله يارب الله يسمع منك☹️💘
      الله الله.. ومن القصيد ملاذ💖
      شكرا ولاء كلامك محفوظ في القلب🌈

      Liked by 1 person

  4. إلياس كتب:

    أنا غرقت في عبارة والدتكم الكريمة، فعلًا كل شيء عانينا منه صار سوالف.
    أذكر أن صديقًا قاضيًا سألته مرّة وقد قضى سنوات في القضاء: ماذا علمك القضاء وتتابع مصائب الناس عليك؟
    فرد: أن أعظم المصائب بتهون وتبهت غصبن عنك، وتصير ذكرى مؤلمة مشاعرها غريبة عن ازدحام مشاعر حاضرك.

    Liked by 1 person

    1. asyehalmotawa كتب:

      صحح سبحان الله ونسيان المصائب نعمة ولا كان هلكنا مع الضغوط النفسية.. فعلًا القضاة والمحامين والضباط ومن لهم احتكاك بمصائب الناس بشكل يومي لابد يتأثرون بهالشي ويكون لهم رؤية خاصة تجاه الحياة وظروفها.. سؤالك كان في محله وشكرا لمشاركتك لنا هالمعنى🌷

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s